نصر حامد أبو زيد
164
الاتجاه العقلي في التفسير
4 - المحكم والمتشابه كأساس للتأويل أ - الامام القاسم الرس إذا كان كل من أبي عبيدة والفراء وقبلهما الحسن البصري والمفسرون لم يربطوا تأويلاتهم بقانون عام أو قواعد ثابتة ، فإن المعتزلة بسبب اعتمادهم على العقل وأدلته حاولوا أن يضعوا أصولا عامة للتأويل تسمح لهم بتأويل آيات القرآن تأويلا يتفق مع أصولهم العقلية في العدل والتوحيد ، وفي نفس الوقت تمنع خصومهم من الاستدلال والتأويل على عكس هذه الأصول أو ضدها . ولقد وجدوا في « المحكم والمتشابه » - هذه المشكلة القديمة - منفذا لارساء ضوابط للتأويل . وإذا كان القرآن نفسه قد سكت عن تحديد المحكم والمتشابه وإن أشار إلى ضرورة رد المتشابه إلى المحكم ، فإن المعتزلة اعتبروا كل ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره ، وكل ما يخالف هذا الوجهة اعتبروه متشابها يجوز ، بل يحق لهم تأويله . وبذلك نقلوا الخلافات العقلية الاستدلالية إلى القرآن على أساس وجود المحكم والمتشابه فيه . وكان من الطبيعي أن يلجأ خصوم المعتزلة لنفس السلاح فيعتبروا ما يدعم وجهة نظرهم محكما ، وما يدعم وجهة نظر المعتزلة متشابها . وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن خصوم المعتزلة كانوا دائما يستفيدون من نهج المعتزلة في النظر والتأويل وإن خالفوهم في النتائج دائما . وليس ذلك بغريب فأبو الحسن الأشعري ( ت 330 ه ) خصم المعتزلة اللدود قد تربّى على فكر المعتزلة ، بل وفي حجر شيخهم أبي علي الجبائي . وأول محاولة تكشف عن هذا الربط بين الأصول العقلية للمعتزلة وبين قضية المحكم والمتشابه هي رسالة القاسم الرس ( ت 246 ه ) « كتاب أصول العدل والتوحيد » . وهو في هذه الرسالة يقسم العبادة التي هي الغاية من خلق المكلفين وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إلى ثلاثة أقسام « أولها معرفة اللّه . والثاني : معرفة ما يرضيه وما يسخطه . والوجه الثالث : اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه » 104 ولكل عبادة من هذه العبادات حجج هي على الترتيب « العقل والكتاب والرسول » . فالعقل هو الحجة التي تؤدي بنا إلى معرفة اللّه بعدله وتوحيده وكل صفاته وما يجوز عليها منها وما لا يجوز . والكتاب هو الحجة التي نعلم عن طريقها أوامر اللّه ونواهيه ، ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه . والسنّة أو الرسول هي الحجة الثالثة التي تؤدي بنا إلى معرفة كيفية اتباع أوامر اللّه واجتناب نواهيه ، أو